نذير حمدان

237

حكمة القرآن والحضارة

رؤوس الكفر محقّرون : وأخيرا فإن مثل هذه الصيغ المفاجئة يمكن أن تطال رؤوس الكفر وصناديده متجاوزة القوى المادية التي كانوا يعيشون فيها من وفرة مال وكثرة أولاد وسلطان عشيرة ، ومتجاوزة الواقع الضعيف البائس الذي كانت تحياه الدعوة الإسلامية والمؤمنون المهانون . فها هو أبو جهل المرعب المزبد المنتفخ الذي كان يقول : ما بين جبليها - يعني مكة - أعز ولا أكرم مني . . . تنقلب عزته إلى ذلة ، وكرامته إلى مهانة فيذوق نار جهنم مخاطبا بذلك من اللّه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( الدخان 50 ) فهل شيء أقبح ذوقا من العذاب لمن كان عزيزا كريما أو يظن نفسه ذلك ؟ وحتى أبو لهب عم الرسول صلى اللّه عليه وسلم نسبا ولكنه من أشدهم ضراوة وعداوة لا يستطيع أن يفلت من تهكم القرآن إلى يوم القيامة . إن اسمه عبد العزى وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه ، فحين يكنيه اللّه بهذه الصفة التهكمية ويدعو عليه أو يخبر عنه ازدراء وتنقصا بقول تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ فإن حكمة التعبير تبلغ مداها وفعاليتها ، فما أقسى خسارته وخيبة مسعاه وضلال عمله وهو ذو الوجه النضر والإشراقة الوردية اللماعة . في أطر الحكمة الساخرة وأهدافها : إن عرض حقائق الهداية والمسئوليات ووسائل التبصر والإدراك والقوى العقلية والروحية ، ومن ثم مصائر الناس في أساليب معكوسة وخطابات مضادة ، للسخرية بالقوى الطاغية والضحك من عنفوانها وسطوة أصحابها تتحرك في أطر أربعة : فهي تؤذن بعدمية هذه القيم في نفوس المخاطبين ، وتلمح إلى أنهم لا يستحقون أن يخاطبوا بكريم القول ولطيف الخطاب ، والأهم من ذلك تصوير مواقفهم المغرورة وشخصياتهم المتعالية بما يضحك حينا ويتحسر عليها حينا آخر ، فليس لهم حظوة الطائعين المنيبين ، وأهم من هذا وذاك تنفير المؤمنين من مثل غرورهم وصلفهم ، وحثّ لهم على التماس القيم الإنسانية النبيلة التي يستحقون به الخطاب التكليفي الكريم في الوقت الذي يقدم القرآن بلسما لجراحات المستضعفين المكلومين لتطييب قلوبهم وتسلية عذابهم وتحفيز لهم وصبرهم على إيذاءات